لوحة الدخول
 
 
بحث
عبدالكافي مصري
10/11/2011
عدد المشاهدات: 439
00:05:00
LAMA DHAYNI KHALIL
28/03/2010
عدد المشاهدات: 1297
مساحة خاصة
ورودك حمراء... خُبزك ساخن




إلى جدتي في فراشها..

لا أعرف سبباً لعجزي عن المواظبة في الاطمئنان عليك. أنت في حاجة إلى ذلك. المنطق يقول بوجوب الاطمئنان على الشخص في مرضه أكثر منه عندما يكون سليماً. أنت مريضة. لم أعدك في المستشفى إلاّ مرتين. حتى إن إحداهما حدثت صدفة بسبب وجودي هناك لإجراء بعض الفحوص. وعندما خرجت منه إلى البيت، لم أعاونك على النهوض من الفراش غير مرّة أو اثنتين. تضيقين بالفراش. لا، ليس الفراش وحده الذي كان هو الضيق. كنت تضيقين بالدنيا. شعرت بذلك وأنت تئنين بلا انقطاع. كنا نحسب أنينك دلعاً. لم يكن كذلك. أنت تتألمين. هكذا أحسست وما زلت. «أطفئوا المروحة»، تطلبين إلى أحد الموجودين وأنت مطروحة في الفراش. ترفعين الغطاء إلى رأسك. تتصببين عرقاً وأنت تحدثين نفسك: «دنّقت من البرد. ما هذا البرد؟».
ليس ضرورياً أن يكون الشتاء حتى تشعري بالبرد، أو أن تعزي شعورك بالبرد إلى مرض ما ألمّ بك. الجسد عندما يهرم يلفظ حرارته خارجاً حتى لا يتبقى له إلاّ القليل. هذا النزر القليل يتيح لنا الوقوف أعلى سنواتنا كي نتأمل أنفسنا ونحن ننحدر. أنت تحدقين من أعلى سنواتك الثمانين، وفي الأعلى الهواء بارد. لا تطيلي البقاء فوق. عودي لتنعمي بما بقي فيك من دفء.
أحمر وجنتيك يطفو من وقت لآخر. لقد رأيتهما ذلك المساء. أعشق وجنتيك المتوردتين. قبلتهما وأنت نائمة. حرصت ألاّ أوقظك. دنوت ببطء. لثمتهما ثم ابتعدت. يبعث أحمرهما فيّ شهيّة الطفولة. قد لا تتذكرين تلك الصباحات التي كــنت أنــهض فيها من فراشي وأهرع ناحيتك، لألقي نظرة على وجنتيك وقد طفحتا بالورود الحمراء. أحمرهما نفسه أحمر الورود في الجلّ عند مدخل البيت. لقد كنت دافئة. لدفئك رائحة أمي. لماذا لا أحسبك أمي؟ أنت أمي أيضاً.
لقد تنعّمت بعاطفتك وعاطفة أمي وعمتها العجوز. ربما كنت محظوظاً؟ كنتن مفرطات في حنوّكن، ومنحتن من دون مقابل. هل تسعفك ذاكرتك لتعودي سنوات إلى الوراء؟ عندما صرخت فيّ ملء حنجرتك لتمنعيني عن العمل في الحراسة الليلية؟ «وإذا حدا ضربك بشي على راسك وقتلك؟ يا فرحتنا بالشغل. الله بيفرجها يا ستي. هياك عندي وشو بدك خود»، قلت لي وقتها.
أشيع عنك البخل. لم أرك يوماً بخيـلة. أنت حريصة، لا أكثر ولا أقل. ثم إنه ليـس ممكــنا أن تكوني غير ذلك. فامرأة بائع صحف لا يسعــها أن تكون مبذّرة إذا أرادت صون لقمة أولادها. صحــيح أن هذا الحرص استمر وبلــغ ذروته بلا مــوجب حتى كاد يلامس البخل. لكنك لست بخـيلة. فمن يمنح وهو مغمض العينين، كريم. حتى إن بعض التفاصيل كزجرك لي لأكلي العجين قبل خبزه، قد يشير إلى البخل، لكنه في الحقيـقة ليس كــذلك. ربما كنـت ترين فــي أكل العــجين نيئاً، خطأ. فهـو لا يصح أكله إلا مخبوزاً، وأنت كنت تطعميـنني العـجين بعد أن يتحول خبزاً ساخناً. كنت التهم رغيفين ولا أشبع. لا أدري كيف كانت معـدتي الصغيرة تستوعبهما حينها. «بدّك بعد؟»، كنت تسألينني. رغم أنك أقلعتِ من زمان عن الخَبز، ما زلت أشتري الخبز المرقوق طمعاً بأن يماثل طعمه طعم خبزك.
أعلم أنه ليس في وسعك قراءة كل هذا. فــأنت أميّة. والدك رجل الدين حرمك وأختك تعلم القراءة والكتابة خوفاً من مكاتبتكما للصبية. بأي حال، سأقرأ لك. لن أدعك تمسكين النـصّ بالمقــلوب ويحمر وجهك خجلاً لفعلتك هذه. ستقولين لي: «هل صحيح أنك كتبت عني؟ ماذا كتبت؟». سأقرأ لك وستضحكين ثانية كما فعلت أول مرة. يروقني ضحكك!
«اذهبي إليها ما أن تقفلي السمــاعة وارســمي على وجنتيها قبلتين. قولي لها إن هاتين القبلتين مني». طلبت إلى الخادمة. هل وصــلتك قبلـتي؟ كنت أفضل لو قبّلت وجنتيك وجاهيا. لكن هذا ما حصل.
أشعر بالبرد. ثمة شيء في داخلي يشيخ. متيقن أني لن أنعم بدفء الماضي طويلاً. لا القرية التي لم تعد تشبه ذاكرتي ولا من شبّ من أبنائها. قد ترحلين عني غداً وقد أرحل أنا عنك اليوم. لا يهم من يرحل أولاً. لكن برداً سيسري في الأوصال ساعة. لن يبقى من تورد الوجنتين والخبز الساخن إلا طعم عميق أسفل لساني. في ليالٍ كثيرة أتخيلك شجرة لفرط حنوّها أنهكها ثقل أغصانها حتى هلـكت. أما إذا رحلت أنا فلا أريد أن يبقى مني إلا حفيد كـتب بعضاً من طفولته معك، قرأها لك، رنا إليك في ما أنت تضحكين، ومضى.

 
5 (1)


الإسم الكامل:

البريد الإلكتروني:

عنوان التعليق:

التعليق:

أقصى حد للمشاركة هو 650 حرفاً

أعد كتابة الرقم الموجود في الصورة